سلسلة خطب تفسير سورة آل عمران 1

خطب تفسير القرآن· 5 دقائق قراءة

خطب عن تفسير سورة آل عمران - الخطبة الأولى

سورة آل عمران

الخطبة الأولى في 17 ربيع الأول 1438

تعريف بالسورة وأغراضها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه...

أما بعد فقد انتهينا من تفسير سورة البقرة والتي شرعنا بها في قبل ما يقارب من ست سنوات وفيما يقارب من مئة وخمسين وخطبة واليوم نمهد لسورة آل عمران والتي أسماها النبي بهذا الاسم وكذلك اشتهرت  بين الصحابة بسورة آل عمران، ففي «صحيح مسلم»، عن أبي أمامة: قال سمعت رسول الله يقول: «اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران» وفيه عن النَّوّاس بن سِمْعَان: قال سمعت النبي يقول: «يؤتَى بالقرآن يوم القيامة تقدمُه سورة البقرة وآل عمران» وروى الدارمي في «مسنده»: أنّ عثمان بن عَفان قال: «من قرأ سورة آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة» وسمّاها ابن عباس في حديثه الذي في «الصحيح». قال: «بِتّ في بيت رسول الله فنام رسول الله حتى إذا كان نصفُ الليل أو قبلَه بقليل أو بعدَه بقليل استيقظ رسول الله فقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران».

ووجه تسميتها بسورة آل عمران أنَّها ذُكرت فيها فضائل آل عمران وهو عمران بن ماتان أبو مريم، وآله هم زوجه حنة وأختها زوجة زكرياء النبي ؛ وزكرياء كافل مريم إذ كان أبوها عمران توفي وتركها حمْلا فكفلها زكرياء زوج خالتها.

ووصف الرسول الله صلى الله عليه وسلّم السورة بالزّهراء في حديث أبي أمامة المتقدّم.كما في اللسان :الزَّهْرَاوانِ أَي المُنِيرتان المُضِيئَتانِ واحدتهما زَهْرَاءُ انتهى قلت فهي منيرة لمن قرأها وعمل بما فيها من عمل والله أعلم .

وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتّفاق، بعد سورة البقرة، فقيل: إنّها ثانية لسورة البقرة على أنّ البقرة أولُ سورة نزلت بالمدينة، وقيل: نزلت بالمدينة سورة المطفّفين أولاً، ثم البقرة، ثم نزلت سورة آل عمران، ثم نزلت الأنفال في وقعة بدر، وهذا يقتضي: أنّ سورة آل عمران نزلت قبل وقعة بدر، للاتّفاق على أن الأنفال نزلت في وقعة بدر، ويُبعد ذلك أنّ سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يومَ بدر، وأنّ فيها ذكْر يوم أحد، وعليه فلا بد من القول بأن بدء نزولها ثم استكملت فيما بعد وهذا ليس بغريب فيكون بعضها نزل متأخّراً. وذَكَر الواحدي في أسباب النزول، عن المفسّرين: أنّ أول هذه السورة إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ} نزل بسبب وفد نصارى نجران، سنة اثنتين من الهجرة، ومن العلماء من قالوا: نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال، وكان نزولها في وقعة أحد، أي شوال سنة ثلاث، وهذا أقرب، فقد اتفق المفسّرون على أنّ قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أنّه قتال يوم أحُد. وكذلك قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىًّ أَعْقَـٰبِكُمْ} (آل عمران: 144) فإنّه مشير إلى الإرجاف يومَ أحد بقتل النبي صلى الله عليه وسلّم ويجوز أن يكون أولـها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إلى حديث وفد نجران، وذلك مقدار ثمانين آية من أولـها إلى قولـه: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} (آل عمران: 121) قالـه القرطبي في أول السورة، وفي تفسير قولـه: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ} (آل عمران: 79) الآية. وقد سبق أن بينا إمكان اقتران نزول سور عدّة في مدة واحدة، فليس معنى قولـهم: نزلت سورة كذا بعد سورة كذا، مراداً منه أنّ المعدودة نازلة بعد أخرى أنّها ابْتدىء نزولـها بعد انتهاء الأخرى، بل المراد أنّها ابتُدىءَ نزولـها بعد ابتداءِ نزول التي سبقتها. وقد عُدَّت هذه السورة الثامِنة والأربعين في تعداد نزول سور القرآن. وعدد آيها مائتان في عَدّ الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع وتسعون.

واشتملت هذه السورة على الأغراض التالية : التنويه بالقرآن، وبمحمد صلى اللـه عليه وسلّم وتقسيم آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، ومراتب الأفهام في تلقّيها، والتنويه بفضيلة الإسلام وأنّه لا يعدِلُه دين، وأن الله لا يقبل دينا غيره بعد بلوغه للشخص، والتنويه بالتوراة والإنجيل الأصليين ، والإيماء إلى أنّهما أنزلا قبل القرآن، تمهيداً لـهذا الدين فلا يحقّ للناس، أن يكفروا به، كما اشتملت على التعريف بدلائل إلاهية اللـه تعالى، ووحدانيته ، وإبطال ضلالة الذين اتّخذوا آلـهة من دون اللـه ممِّن جعلوا لـه شركاء، أو اتّخذوا لـه أبناء، وتَهديد المشركين بأنّ أمرهم إلى زوال، وألاّ يغرّهم ما هم فيه من البذخ، وأنّ ما أعدّ للمؤمنين خير من ذلك، وتهديدهم بزوال سلطانهم، ثم الثناء على عيسى ـ عليه السلام ـ وأمه، وذكر معجزة ظهوره، وأنّه مخلوق بكلمة الله كن ، ومدح الذين آمنوا به حقاً. وإبطال إلاهية عيسى المزعومة ، ومن ثَمّ أفضى إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم، ثم محاجّة أهل الكتابين في حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم وأنّهم بعداء عنها، وما أخذ اللـه من العهد على الرسل كلّهم: أن يؤمنوا بالرسول الخاتم، وأنّ اللـه جعل الكعبة أول بيت وضع للناس، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه، وأوجب حجّه على المؤمنين، وأظهر ضلالات اليهود، وسوء مقالتهم، وافترائِهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم. وذكَّر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام، وأمرهم بالاتّحاد والوفاق، وذكَّرهم بسابق سوء حالـهم في الجاهلية، وهوّن عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين، وذكَّرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلاً لتمييز الخبيث من الطيب، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم، والصبر على تلقّي الشدائد، والبلاء، وأذى العدوِّ، ووعدهم على ذلك بالنَّصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوّهم، ثم ذكّرهم بيوم أحُد، ويوم بدر، وضرب لـهم الأمثال بما حصل فيهما، ونوّه، بشأن الشهداء من المسلمين، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال: من بذل المال في مواساة الأمة، والإحسان، وفضائل الأعمال، وترك البخل، ومذّمة الربا وختمت السورة بآيات الحث على التفكير في ملكوت اللـه.

وقد علمتَ أنّ سبب نزول هذه السورة قضية وفد نجران ووفد نجران هم قوم من أهل نجران بلغهم مَبعث النبي صلى الله عليه وسلّم وكانوا متديّنين بالنصرانية، وهم من أصدق العرب تمسّكاً بدين المسيح، وفيهم رهبان مشاهير، فاجتمع وفد منهم يرأسه العَاقِب ـ فيه ستون رجلاً ـ واسمُه عبد المسيح، وهو أمير الوفد، ومعه السَّيِّد واسمه الأيْهم، وهو ثِمَال القومِ، وولي تدبير الوفد، ومشيره وذو الرأي فيه، وفيهم أبو حارثة بن علقمة البَكري، وهو أسْقُفُّهم وصاحب مِدْرَاسِهم ووليّ دينهم، وفيهم أخو أبي حارثة، ولم يكن من أهل نجران، ولكنّه كان ذا رتبة شَرّفَه ملوك الروم وموّلُوه. فلقوا النبي صلى الله عليه وسلّم وجادلهم في دينهم، وفي شأن ألوهية المسيح، فلمّا قامت الحجة عليهم أصرّوا على كفرهم وكابروا، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المباهلة، فأجابوا ثم استعظموا ذلك، وتخلّصوا منه، ورجعوا إلى أوطانهم، ونزلت بِضع وثمانون آية من أول هذه السورة في شأنهم كما في «سِيرة ابن هشام» عن ابن إسحاق. وذكر ذلك الواحدي والفخر، فمن ظنّ من أهل السير أنّ وفد نجران وفدوا في سنة تسع فقد وهِم وَهَما جاءه مِنِ اشتهارِ سَنَةِ تسعٍ بأنّها عام الوفود. والإجماعُ على أنّ سورة آل عمران من أوائل المدنِيّات، وترجيحُ أنّها نزلت في وفد نجران يعيّنان أنّ وفد نجران كان قبل عام الوفود. قلت وبزمن ليس بالقليل

تحميل

مشاركة: