سورة آل عمران
خطبة الآيات 10-13
في 29 ربيع الثاني1438
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ (13) }
إخوة الإيمان : أكثر كفر الناس منشؤه حب الدنيا وحب ما فيها من أموال وأولاد إلى حد الانشغال بهما عن الغاية التي خلقنا الله من أجلها
فبعد أن حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم ، حكى حال الكافرين وشديد عقابهم فقال { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا } وهذا لفظ عام يدخل فيه جميع الكفار بما وفد نصارى نجران الذين نزل فيهم صدر سورة آل عمران ، وذلك لأنه ذكر في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني لأعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه ، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم التي اغتروا بها وعاندوا الحق وكذبوا رسول الله إليهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة .
ثم ليعلم كل سامع أن اكتمال العذاب لا يكون إلا بزوال كل ما كان منتفعاً به معتزا به في الدنيا ، ثم اجتماع الأسباب المؤلمة .
لذا قال أولا { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم } وذلك لأن المرء في الدنيا يفزع عند الخطوب والنوائب إلى المال والولد ، فهما أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع الخطوب فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم ، فما عداه بالتعذر أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } وقوله { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ }
وأما اجتماع الأسباب المؤلمة ، فإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأولئك هُمْ وَقُودُ النار } وهذا هو النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار ، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله : وردت وروداً . وأما قوله { مِنَ الله } ففيه قولان أحدهما : التقدير : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه
والثاني : قال أبو عبيدة { مِنْ } بمعنى عند ، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً .
الآية الثانية : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الدأب له معان وهو هنا عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا دأب فلان أي عادته ، ووجه التشبيه أن دأب الكفار ، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم ، فكذا سنهلك هؤلاء .
و تقدير معنى الآية : أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، حيث يجعلهم الله وقود النار كصنعه في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم الله بذنوبهم والمقصود من الآية أن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم على الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم .
الآية الثالثة: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً الأول : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .وقيل أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا : والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا : ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقيل: أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أعيانهم.
وقوله { سَتُغْلَبُونَ } خبر عن أمر يحصل مستقبلا ، وقد وقع كما أخبر به الرسول عن ربه، فهو من الإخبار عن الغيب وهذا معجز ، ونظيره قوله تعالى : { غُلِبَتِ الروم * فِى أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ }
كما دلّت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار؛ وقوله : { وَبِئْسَ المهاد } وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصف ذلك الحشر إلى جهنم فقال : {وبِئْسَ المهاد } والمهاد : الموضع والمكان الذي يمهد ويسوى للنوم عليه أو فيه، ثم لما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة، أي شديد شرها وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله .
الآية الرابعة:قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
نزلت في يهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا لسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدد فإنكم ستغلبون... ثم ذكر الله تعالى ما يجري كالدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ } يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود أيضا ويقهرهم وإن كانوا أرباب سلاح وقوة ، وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين : فئةرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ؛ وفئة مشركي مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، معهم مائة فارس ، ومعهم من الإبل سبعمائة ، والفرسان كانوا دارعين كلهم ، وعدا ما كان من دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة .
واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً الأول : أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ، منها : قل العدد والعدة ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والخيل ، وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وتفاجئهم بالحرب يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً وخارقا للعادة ودالا على صدق الدعوى المتنازع عليها بين الفريقين وهي نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم
إن في مثل هذه الإخبارات دعوة ربانية دائمة للناس وإقامة للحجة عليهم وأن عليهم اتباع رسالة الإسلام الخاتمة وترك كل ما بأيديهم ووالله لن يفلحوا إلا بذلك.