المقامة المرورية

مقامات· 8 دقائق قراءة

المقامة المرورية على نهج مقامات بديع الزمان الهمذاني

الْمَقَامَةُ الْمُرُوْرِيَةُ

حَدَّثَنِيْ عُبْدُ اللهِ أَبُو مَنْصُورٍ* عَنْ جَارِهِ الْمُتَقَاعِدِ رَجُلِ الْمُرور- الْمَعروفِ بِأَبي مشهورٍ المنسوبِ لآلِ مَقْهُوْرٍ- أَنَّهُ قَالَ:كُنْتَ مُوْلَعَاٍ بِحُبِّ النِظَامِ ورثت حبه من صلب آبائي وأجدادي آل مقهور الكرام ورضعته مع لبن أمي ونانة بنت شكمان بن صدام من سلالة العربيات المنسوبة إلى بلاد الواق الواق فقد لا حظتْ أمي أنني كنت أرضع لبانها بانتظام منذ أن ولدتني حتى بلغت سن الفطام* فتوقعتْ لي مستقبلا باهرا في عصرنا عصرالتعتيم  والإظلام*  فكنت كما توقعت لي نظاميا في كل أموري  لحد العشق والغرام* وأكن لكل نظامي مثلي كامل الإعجاب والاحترام*لذلك عملت في  شرطة المرور* حتى أصرف الأمور على خير وجه مشكور وغير منكور* وعاهدت نفسي ألا أتوانى  عن مجازاة  كل مخالف لا يسير على ما يرام ولا يلتزم بتعليمات المرور بالكمال والتمام واعتبرت مخالفته واجبا شرعيا وترك مخالفته منكرا وإثما من الآثام* فديننا بحمد الله شرع لنا اتباع النظام* لما فيه من صون للمال والدم الحرام* وكنت أتمنى أن يكون جميع الناس مثلي* وخاصة من هم معي بمثابة ظلي* حتى لا أكون نسيج وحدي* وغريب دهري وفريد عصري فينتصب لمعاداتي الفجار والأشرار* ممن لا يحبون النظام* ويعشقون الفوضى ويكرهون الأمن والسلام ويحبون السير في الشوارع كالأنعام أو كالعربان تسير في البوادي بلا قانون ولا نظام*

وللسير في الشوارع قانون موضوع وأصل متبوع تجب مراعاته وإلا دبت الفوضى ووقع  المحظور والممنوع*

 قلت: أبا مشهور هل لك أن تخبرني عن سر تلقيبك بالمقهور؟ قال أجل يا أخا العرب على الرأس والعين أنت  وهذا الطلب إنه- كما نقل لي- لكثرة ماكان يظهر على أجدادي من جدية وحزم للأمور حينما كان يكدون على البعارين قبل كثير من الشهور والسنين فقد كانوا ينقهرون لما يرون من إخلاف الوعود ونكث العهود* والكذب المشهود* وأخذ ما لم ينص عليه في العقود من زيادة في الأحمال* وإنهاك للجمال* هذا مع عائد قليل ومحدود*  لايقوم حتى بثمن الوقود يعني علف الجمال. قال أبو منصور: وهل تخبرني يا أبا مشهور عن أكثر ما أزعجك من تجاوزات لأنظمة المرور؟ قال أبو مشهور:

 أول ذلك السائق الذي لا يعرف أبجديات المرور* قلت وما أبجديات المرور؟ خبرني بالله عليك فأنا في شوق لمعرفتها وحبور.

 قال أبو مشهور:

فأول أبجدياته السير على يمين الطريق  لا على الشمال* وهذا مجمع عليه من غير نقاش ولا جدال* ولم يشذ عن ذلك سوى بعض الغلاظ الثقال* لكنهم رغم ذلك ملتزمون بالسير على شمال كل طريق أمامهم والقادم من أمامهم يكون على يمينهم ومن يخالف منهم يعاقب في الحالكما لو سار أحدنا على الشمال* وهم يسحبون رخصة المخالف إذا كثرت مخالفاته  ولا يقبلون الواسطة بحال من الأحوال قال أبو منصور يا سلام لوطبق عندنا مثل هذا هذا الأخير  من الكلام* لصرنا في خير وعافية وعلى ما يرام.

وثاني المحبوبات عندي يا أخا الملمات: التوقف عند التقاطعات والتأكد من خلو المفارق والطرقات من المشاة ومن السيارات* وهذا لازم لكل من سار وفي أي ساعة من الساعات سواء من المشاة  أو من أهل  الدراجات أو السيارات

وثالثها: عدم السير في الاتجاه الممنوع لما يسبب ذلك من تصادم قد يكون وجها لوجه وذلك فظيع ومروع

ورابعها: عدم الإسراع لأنه سبب أكثر وأشنع الحوادث بالإجماع* فكم من رجل تلوع من السرعة وألاع* وكم من مال ضَيَّعَ وأضاع* وكل ذلك من الإسراع لا بارك الله في الإسراع

وخامسها: الاهتمام بالسيارة قبل الركوب* والتأكد من سلامة كل مهم فيها ومطلوب* وعلى رأس ذلك الفرامل فلا تكن عنه لحظة بغافل ولا تنس الاهتمام بالعجلات*المسماة عند الكثيرين بالدواليب أو الكفرات* فكم سبب إهمالها من كوارث ومشكلات*

ولا تنس سادسة الأبجديات ألا وهي:إخضاع السيارة للفحص الدوري* فذلك جد ضروري* لما فيه من تبرئة الذمة وتحميل المسؤولية على محطة الفحص الدوري* حيث أجازت للسيارة السير وأعطتها شهادة حسن سلوك  وتقدير وأن ما بها من ضير*

قال أبو منصور: وقد ابتلينا بفئام من الناس*  قد حرموا من كل حياء وإحساس* ترى أحدهم في أقصى الشمال فإذا هو في أقصى اليمين* ولا يرى فيما عمل أي حرج أو باس* وبينما هو  في أقصى اليمين إذا هو في أقصى الشمال* وكأنه ليس من جملة الرجال*

 قلت: سبحان الله يا أبا منصور * وهل صَفَتْ لصاحبك أبي مشهور الأيام ؟ أم أن رياح الفساد والشر كانت تعصف به وتدفعه لترك العمل بالنظام ؟ قال صديقي أبو منصور: لقد سألتُ أبا مشهور يوما عما سألتني عنه فأجاب في تراخ وتثاؤب وفتور، وقال: لقد طلبت التقاعد المبكر وخرجت بالراتب الميسور، من أجل أن لا أعيش طول عمري مقهورا فعلا ونسبا ،فبحسبي أنني من آل مقهور.

وبرغم تركي لعملي يا أبا منصور بقصد الاستجمام من مشاكل المرور فإنني يبدو لي أنني لن أستريح كما يبدو من المقدور* حيث لا بد لي من النزول إلى الشوارع في المساء وفي البكور* ولا بد أن أرى وأخالط كل جاهل أو طائش أو مغرور*

قلت: أريد منك يا عزيزي أبا مشهور أن تذكر لي أهم ما تحبه وما لا تحبه في كل سائق* قال أتريد ذلك الآن وقبل أن تفارق ؟ قلت " إي والله يا أبا مشهور إن كان لا مانع عندك وعلى ذلك  موافق*

قال أبو منصور: وابدأ بما تحب يا أبا مشهور.

قال أبو مشهور:

أحب السائق لا يزاحم ولا يسابق*

 ولا يزعج أحدا ولا يضايق*

ولا يقف في غير مساره الموافق*

إن كان يريد اليمين سار في المسار الأيمن وإن كان يريد اليسار سار في المسار الأيسر* وإن وجد نفسه مخطئا تنقل حسب الأصول وتصبر ولو قطع مسافات أو تأخر* وإن كان يريد الأمام توسط بين الأنام

وأحب السائق الذي لا يجعل الشوارع للتجوال*

 وأحب السائق الذي لا يزعج أحدا بالنور العال *

 وأحب من لا يتجاوز إلا حسب الأصول*ليضمن سلامة الوصول*

وأحب من لا يجعل سيارته وسيلة للإزعاج* بالموسيقى اوالتزمير أوالتفحيط.

  وأحب السائق الذي يتجنب الزحام و يتصرف بإحكام ويأخذ با لطرق الالتفافية دون إحجام عندما يجد الطريق مملوءةبالكمال والتمام*

قلت فهات  بعض ما لا تحب :

 قال خذ يا أبا منصور وانس من كثرة العد:

لا أحب من  يسابقك ليأخذ مكانك*

 ومن يترك مساره عند الإشارة ويقف أمامك *

 ومن يعرقل الحركة ببطء السير في الطريق *

 و من يسير بلا هدف  فيلحق بغيره الأذى والضيق *

و من يخرج عليك من حيث لا تتوقع من جنبات الطريق*

 و من  يُغّمِّزُ لك بالنور العالي* ويريد منك أن تفسح له في الحال* ولو لم يكن عندك  مجال   ومع ذلك يريد النزال ولو تعرضت للأهوال*

قال أبو مشهور مستطردا :

وهل يستطيع أحد أن يعيش في هذا العصر  بلا سيارة فإذا ما خرجت إلى الشوارع فلا بد من أن تلاكم وتصارع* ونادرا ما ترجع وأنت مسرور مما تطالع* وكأني بالناس قد عشقوا المخالفة* فصارت مواتية ومحالفة*

قال أبو مشهور: كنت اليوم في الصباح أنقل الأولاد إلى المدارس فإذا أنا بسائق غير ممارس قد عطل المرور في الشارع وكاد يتسبب بأكبر الفظائع لقد انعطف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار* دون إشارة ولا تنبه ولا إخطار* مما أربك السير في كل مسار* ولولا لطف الله  لوقع حادث ودمار، وسالت الدماء كالأنهار.

قال أبو منصور: لطفك اللهم لطفك.

ومن كثرة ما حدث أبو مشهور أخاه أبا منصور عن قضايا المرور* فقد سأله أن يكتب مذكراته عن أهم وأغرب ما رأى في حياته* ويطرحها في الأسواق قبل وفاته *

قال أبو مشهور : وأعدى عدو لي هو السرعة* فكم أحدثت من صقعة وجلبت من فزعة وكم سكبت من دمعة وكم أذهبت من متعة* إنها أكبر مسبب للحوادث* وجالب للكوارث * حتى قال أهل الحكمة والصرامة: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.

قال أبو منصور : إيه!! قد قالوا ذلك في أيام كانت السرعة فيها كسرعة الجمال والخيول* وسرعاتنا في هذا العصر تجاوزت المنقول والمعقول* وصار لها من الأضرار  ما خيب كل مأمول.

  ومن أكثر ما يسبب الفواجع* قلة الانتباه لدى قطع الشوارع حيث ترى بعضهم كالبروق اللوامع أو كالخيول السوارع وربما بصورة غير مرضية ومن زاوية غير شرعية لأن الزاوية المسموح بها لمن أراد الالتفاف يمينا هي زاويتة القائمة التي على يمينه*  فكم - يعلم الله- قد جاء في وجهي مباشرة من سيارة كالطيارة يقودها مرجوج في الغمارة أرادت دخول الشارع الذي أريدُ الخروج منه وكأن حقه في الدخول هو من مكان خروجي  فلولا لطف الله -ثم التمهل عند الانعطاف إلى اليمين - لكنت من زمن بعيد في عداد الميتين أو  المعا قين فوصيتي لكل من أراد أن ينعطف ذات اليمين أن يخفض ويهديء من سرعته ويقترب من زاويته ما استطاع   ويتاكد من خلو الطريق من القطاع فكم قطع المسرعون من طريق وكم أنشبوا من حريق وكم سببوا من أذى وضيق

 وأوصي من ينعطف شمالا* أن يقف قبل الانعطاف حالا حالا* ثم يخرج إلى الشارع الذي على اليسار وقد ارتاح فكرا وبالا* وأن لا يدخل من حيث يتوقع خروج أحد غيره - ولو واحدا في المائة -  ولا يقل هذا المكان خال  فقد تفاجؤ بمن لا يعرف حقك  من حقه ولا ينظر أبعد من أنفه*

وقال أبو مشهور: ولكم يغيظني - والله- ذاك السائق الذي يقف على اليمين عند الإشارة ويظن في ذلك مهارة وشطارة فيسد الطريق على المتجه إلى اليمين من سيارة  والذين من حقهم الانعطاف من دون انتظار الإشارة فتمنعه الأنانية والرقاعة* من إعطاء الحق لأهله في تلك الساعة* فهو ممن يريد السير للأمام بل ربما يكون ممن يريد الأخذ ذات الشمال* ومع هذا تجده في أقصى اليمين وهذا من شر السائقين فكم لا حقت مثل هذا من نظرات الناظرين* واشمئزاز المشمئزين* وتزمير المزمرين*  وصيحات الغاضبين فلا يلتفت إليهم وكأنه خلق من مارج بينما هم من الطين فيلعنونه بقلوبهم ويسبون منه الوالد وربما الوالدين

 ويزيد أحدهم في التطيين حين يقف معترضا بين يدي إخوانه ممن هم لاخضرار الإشارة منتظرين وربما ينطلق أمامهم قبل اخضرارها بيقين   مفحطا ومصرصرا في عجلات السيارة مزدريا للإنسانية والحضارة.   

قال أبو منصور:

وكم يَلحقني من الضيق* عندما أرى من يتمشى في الطريق* بلا هدف واضح ووثيق* يتفرج ذات اليمين وذات الشمال في تمعن وتحديق وكأنه ينتظر التصفير والتصفيق والناس من وراءه في سياراتهم قد امتلؤا غيظا من فعله الصفيق* والحق أن مثل هذا بالقيادة غير خليق* وبامتلاك السيارة غير حقيق* ولو كان الأمر في يدي لسحبت منه الرخصة حتى يصير عبرة لكل من لا يعرف أدب  الطريق* ولكن العين بصيرة واليد قصيرة* والله الهادي وولي التوفيق.

كتبها أحمد شهاب الدين حيدر

الخبر غرة جمادى الآخرة 1424 هـ

تحميل

مشاركة:
المقامة المرورية - أدب إسلامي على نهج الهمذاني | شهابيات