المقامة الدخانية

مقامات· 7 دقائق قراءة

المقامة الدخانية على نهج مقامات بديع الزمان الهمذاني

الْمَقَامَةُ الدُّخَانِيَّةُ

شَكَى لِيْ بَعْضُ الإخْوَانِ، مَا يُلاقُونَهُ مِنْ أَذَىً مِنْ شَارِبِيْ الدُّخَانِ، فِيْ مُعْظَمِ الأَمَاكِنِ وَالأَزْمَانِ، وَخَاصَةً إِذَا قَامُوا إِلًى جَانِبِهِمْ فِيْ الصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، وَطَلَبُوا مِنِّيْ أَنْ أَنْصَحَهُمْ بِمَا يَتَيَسَّرُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْبَيَانِ،الْمُدَعَّمِ بِالْحُجَّةِ الْمُقْنِعَةِ وَالْبُرْهَانِ، لَعَلَّهُمْ يُنْقِذُوْا أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَذَاهُ؟ وَيَسْلُكُوْا بِهَا وَبِهِمْ سُبُلَ النَّجَاةِ، فَيَصِيْرُوا عِنَدَ اللهِ مَحْبُوْبِيْنَ، وَفِيْ الْمَجَالِسِ مَرْغُوْبِيْنَ ،وَعِنْدَ الأَهْلِ مَطْلُوْبِيْنَ، وَفِيْ الْمَسَاجِدِ غَيْرَ مَنْبُوْذِيْنَ،من عِباَدِ اللهِ الْمُصَلِّيْنَ، أَوْ لَدَى الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِيْنَ.

فَقُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ:

زُرْتُ يَوْمَاً الْمُسْتَشْفَى، لِعِيَادَةِ صَاحِبٍ لِيْ عَلَى الْهَلاكِ قَدْ أَشْفَى، فَلما رأيته أَخَذْتُهُ بِالأَحْضَانِ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَسْلِيْمَ الأَصْحَابِ والْخُلانِ، فَشَمَمْتُ مِنْهُ رِيْحَ الدُّخَانِ، فَقُلْتُ لَهُ اصْدُقْنِيَ الْقَوْلَ فِيْ هَذَا الْخَبِيْثِ ، مَا الَّذِيْ لا يَزَالُ يُعْجِبُكَ فِيْهِ وَأَنْتَ نَزِيْلُ هَذَا الْمَكَانِ؟ أَيُعْجِبُكَ مِنْهُ طِيْبُ رِيْحِهِ، أَمْ تَصْفِيْرُهُ لِلأَسْنَانِ ؟ أَمْ تَشْوِيْهُهُ لِلشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَانِ؟أَمْ جَلْبُهُ السُّعَالَ لِلرِّئَتَيْنِ؟ أَمْ جَلْبُهُ-لا قَدَّرَ اللهً- للسَّرَطَانِ؟ أَمْ تَسْخِيْمُهُ لِلدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَسِيْرَ فِيْ الوريد والشِّرْيَانِ؟ أَمْ جَلْبُهُ لِمُسْتَنْشِقِهِ الصُّدَاعَ وَالغَثَيَانَ؟ أَمْ مَاذَا غَيْرُ هَذَا؟ بِاللهِ عَلَيْكَ قُلْ لِيْ، فَإِنِّيْ أَرَاك لا تَزَالُ لَهُ عَشُوْقَاً، وَبِهِ مُغْرَمَاً وَلَهُ مَشُوْقَاً ،وَلِصُحْبَتِهِ مُلازِمَاً حَتَّى فِيْ هَذَا الْمَكَانِ ،هَلْ لا تَزَالُ تَبْدَأُ بِهِ مَسِيْرَةَ يَوْمِكَ؟ وَيَرْحَلَ مَعَكَ كَأَنَّهُ ظِلُّكَ؟ وَتَبْدَأَ بِهِ قَبْلَ فُطُوْرِكَ؟ وَتَقُوْمَ فِيْ جَوْفِ اللَّيْلِ؛ وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِهِ، لا مِنْ أَجْلِ عِبَادَةِ رَبِّكَ؟ وَكَأَنِّيْ بِكَ لا تَسْتَطِيْعُ أَنْ تُخْلِفَ لَهُ وَعْدَاً وَلا تَقْدِرُ أَنْ تَخُوْنَ لَهُ عَهْدَاً، فَباللهِ عَلَيْكَ قُلْ لِيْ فَأَنَا عَلَى أَحَرَّ مِنََ الْجَمْرِ لأَسْمَعَ الْمَزِيْدَ مِنْكَ مِنْ أَخْبَارِكَ مَعَهُ، وَأَعْرِفَ الْكَثِيْرَ مِنْ أَسْرَارِكَ الْمُوْجِعَةِ.

فَوَضَعَ صَاحِبِيْ الشِّمَالَ تَحْتَ الْيَمِيْنِ، وَتَعَوَّذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ، وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَقَالَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، ثُمَّ قَالَ:

أَلا تَدْرِيْ - يَا عَزِيْزِيْ- أَنَّ سَبَبَ نُزُوْلِيْ فِيْ هَذَا الْمَكَانِ، هُوَ هَذَا الَّلعِيْنُ الْخَبِيْثُ الَّذِيْ تَسْأَلُنِيْ عَنْهُ وَأَعْنِيْ الدُّخَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخِيْ الْعَزِيْزُ بِمَا أَنَّكَ نَاشَدْتَنِيْ بِاللهِ فَأَنَا سَأُخْبِرُكَ الْحَقِيْقَةَ.

لَقَدْ خَدَعَنِيْ كُلُّ مَنْ زَيَّنَ لِيْ تَعَاطِيَ الدُّخَانِ، فَلَقَدْ ثَبَتَ لِيْ مِنْ دُوْنِ شَكٍّ أَوْ  جِدَالٍ، أَنَّنِيْ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ الْخَبَالِ، الَّذِيْنَ يُصَدِّقُوْنَ كُلَّ مَا يُقَالُ، لَقَدْ جَرَّبْتُ الدُّخَانَ، لِسِنِيْنَ طِوَالٍ وَطِوَالٍ، فَلَمْ أَحْصُدْ مِنْهُ غَيْرَ حُمْرَةِ الْعَيْنَيْنِ وَكَثْرَةِ السُّعَالِ،وَضَعْفَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّوَاصُلِ مِمَّا أَوْرَثَنِيْ قِلَّةَ الْعِيَالِ، وَكَرَاهِيَةَ  الأَخْيَارِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَكَثْرَةَ الأَعْطَالِ، وَتَلَفَ  الأَمْوَالِ .وَسَأَشْرَحُ لَكَ مَا أَعْنِيْ  بِكَثْرَةِ الأَعْطَالِ: فَلَقَدْ تَسَخَّمَتْ مِنَ هَذَا الْخَبِيْثِ الرِّئَتَانِ، فَلَيْتَكَ رَأَيْتَهُمَا  فِيْ صُوْرَةِ الأَشِعَّةِ قَدْ صَارَتَا كَأَنَّهُمَا كِنْدَاسَةُ سَيَّارَةٍ أَوْ  شُكْمَانٌ (مدخنة السيارة)، كَمَا اصْفَرَّتِ مِنْهُ كَمَا تَرَى الأَسْنَانُ وَأَطْرَافُ البَنَانِ، حَتَى صِرْنَ كَأَنَّ بِهِنَّ دَاءُ الْيَرَقَانِ، وَكَرِهَنِيْ مِنْ أَجْلِهِ الأَهْلُ وَالْجِيْرَانُ وَالأَصْحَابُ وَالْخُلانُ ، وَتَشَوَّشَ الصَّوْتُ مِنِّيْ حَتَّى قِيْلَ لِيْ إِنَّهُ السِّلُّ أَوْ بِدَايَةُ السَّرَطَانِ، وَهَا أَنَذَا هُنَا لِلْعَلاجِ مِنْ هَذَا الدَاءِ ، فَادْعَ اللهَ لِيْ بِالشِّفَاءِ وَحُسْنِ الْعَوْدَةِ إِلَىْ الأَهْلِ وَالأَصْدِقَاءِ.

قُلْتُ لِصَاحِبِيْ: هَلِ انْتَهَيْتَ مِنْ سَرْدِ مَا نَزَلَ بِكَ مِنَ الأَعْطَالِ قَالَ: نَعَمْ فَهَذَا مَا حَضَرَ فِيْ الْبَالِ .

قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ مَا  أَصَابَكَ مِنْ فَقْدِ الأَمْوَالِ  بِسَبَبِ الدُّخَانِ فَمَا الَّذِيْ حَلَّ بِكَ؟  قُلْ لِيْ بِرَبِكَ.  قُلْ لِيْ .فَنَظَرَ إِلَيَّ بِأَسَىً ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ دَارِيْ الَّتِيْ كَانَتْ فِيْ حَيِّ رِجَالِ الأَعْمَالِ، لَقَدْ احْتَرَقَتْ بِكُلِّ مَا فِيْهَا مِنَ الْمَتَاعِ وَالأَثْقَالِ والأموال، قُلْتُ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ أخبرني بِاللهِ عَلَيْكَ في الحال :فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ:لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حِيْنَمَا لَعِبَ بِوَلاعَةِ السَّجَائِرِ أَحَدُ  الأَطْفَالِ، وَكِدْنَا نَحْتَرِقُ مَعَ الدَّارِ أَنَا وَسَائِرُ الآلِ، وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ، فَحَمِدْنَا الْمَوْلَى عَلَى السَّلامَةِ ،وَعَضَضْنَا الأَصَابِعَ مِنَ النَّدَامَةِ عَلَى التَّفْرِيْطِ وَالإِهْمَالِ، وَعَسَى أَنْ يُعَوِّضَنَا اللهُ عَمَا فَقَدْنَا مِنَ الْمَالِ. قُلْتُ: حَمْدَاً للهِ عَلَى السَّلامَةِ، وَعَوَّضَكُمُ اللهُ خَيْرَاً وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ  مِنَ الْخِزْيِ وِالنَّدَامَةِ.

قُلْتُ: وَهَلْ هُنَاكَ غَيْرُ هَذَا ؟ فَكَأَنِّيْ بِكَ لا يَزَالُ فِيْ فَمِكَ كَلامٌ،وَلَدَيْكَ الرَّغْبَةُ فَيْ البوح به والإِعْلامِ. قَالَ: نَعَمْ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ . لَقَدْ نَسِيْتُ أَنْ أَقُوْلَ لَكَ بِأَنَّ النَّارَ لَمَّا أَحْرَقَتِ الدَّارَ امْتَّدَتْ إِلَى دُوْرِ الْجِيْرَانِ، وَلَوْلا لُطْفُ اللهِ بِنَا وَبِهِمْ لَكُنَّا جَمِيْعَاً  فِيْ خَبَرِ كَانَ،وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ أَمَرَنِيْ بِأَنْ أُعَوِّضَهُمْ عما فَقَدُوْهُ نَظَرَاً لأَنَّنِيْ الْمُتَسَبِّبُ بِتِلْكَ الأَهْوَالِ. لِكَوْنِيْ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ وَرِجَالِ الأَعْمَالِ.

قُلْتُ: إِنَّ هَذَا وَاللهِ لَخَطِيْرٌ،قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِالْخَطِيْرِ إِذَا مَا قَارَنْتَهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا جَرَى لِيْ بِسَبَبِ هَذَا الْخَبِيْثِ الْحَقِيْرِ. قُلْتُ وَمَا الَّذِيْ جَرَى سِوَى مَا سَمِعْتُ؟ قُلْ لِيْ مِنْ دُوْنِ تَأْخِيْرٍ، فَقَدْ أَقْلَقْتَنِيْ وَتَرَكْتَنِيْ عَلَى مِثْلِ جَمْرِ الْفَطِيْرِ أَوْ شَوْكِ الْحَصِيْرِ.

قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ يَا عَزِيْزِيْ مَتْْجَرِيْ الْكَبِيْرِ الَّذِيْ  فِيْ سُوْقِ الْحَرِيْرِ؟ قُلْتُ سُبْحَانَ اللهِ وَهَلْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى كَبِيْرٍ أَو صَغِيْرٍ.أَوْ مُعَلِّمِ صَنْعَةٍ أَوْ مُشْتَرٍ أَو أَجِيْرٍ قَالَ: لَقَدْ صَارَ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ بِسَبَبِ هَذَا الَّلعِيْنِ، لَقَدْ خَسِرْتُ فِيْهِ الْمَلايِيْنَ،قُلْتُ: وَمَا سَبَبُ هَذَا الْحَرِيْقِ قُلْ لِيْ؟ فَقَالَ صَاحِبِيْ وَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُ الضِّيْقِ ، فَزَفَرَ بِقُوَّةٍ بَعْدَ أَخْذِ مَا أَخَذَ مِنَ الشَّهٍيْقِ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أَثْبَتَتْ تَقَارِيْرُ الدِّفَاعِ الْمَدَنِيِّ أَنَّ الْحَرْيْقَ سَبَبِهُ دَنِي ، قُلْتُ وَمَاهُوَ بِاللهِ قُلْ لِيْ فقد زلزلت بدني : قَالَ : سِيْجَارَةٌ. قُلْتُ وَمَا بِهَا؟ قَالَ: أَلْقَاهَا رَجُلٌ مِنْ سَيَّارَةٍ ، وَقَعَتْ خَلْفَ السِتَارَةِ، وَمَا هِيَ إِلاَّ دقائق حَتَّى احْتَرَقَ الْمَتْجَرُ بِمَا فِيْهِ مِنَ الْمَالِ وَالْبِضَاعَةِ، فَصِرْتُ فَقِيْراً-كَمَا تَرَى- إِلاَّ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّيْ أَنْتَظِرُ الْمَعُوْنَةَ مِنَ الْجَمَاعَةِ، لِأَدْفَعَ أُجْرَةَ الْبَيْتِ وَمَا أَشْتَرِيْ لِلْعِيَال لِدَفْعِ الْمَسْغَبَةِ عَنْهُمْ وَالْمَجَاعَةِ.

قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ كَمْ جَرَّ هَذَا الْخَبِيْثُ عَلَيْكَ وَعَلَى  الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْبَلاءِ، وَ وَاللهِ ثُمَّ وَاللهِ لَوْ كَانَ عِنَدَ أَهْلِهِ عَقْلٌ لَجَعَلُوْهُ أَشَدَّ الأَعْدَاءِ، وَلَشَنُّوا عَلَيْهِ حَرْبَا ضَرُوسَاً أَشَدَّ مِنْ حَرْبِ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ .

تَأَمَّل يَا صَاحِبِيْ كَمْ تُحْرِقُ الْبَشَرِيَةُ مِنَ الأَمْوَالِ الَّتِيْ يَشْتَرِيْ بِهَا الْمُدَخِنُوْنَ – هَداَهُمُ اللهُ- هَذَا الدُّخَانَ، إِنَّهُ مِقْدَارٌ كَبِيْرٌ ،لَوْ أُنْفِقَ مِنْهُ الْيَسِِيْرُ عَلَى مُكََافَحَةِ الأَمْرَاضِ أَوْ الْفَقْرِ فِيْ العَالَمِ لَمَا بَقِيَ مَرِيْضٌ وَلا فَقِيْرٌ.

قَالَ صَاحِبِيْ: لَقَدْ مَكَثْتُ أُدَخِّنُ خَمْسِيْنَ عَامَا فِيْ كُلَّ عَامٍ ثَلاثُمِئَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّوْنَ يَوْمَاً فَذَلِكَ 18250 يَوْمَاً،أنفق فِيْ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى الأَقَلِّ خَمْسَ رِيَالاتٍ ثَمَنَ دُخَانٍ فَذَلِكَ 91250 رِيَالاً. هَذَا عَدَا عَمَا أُعِدُّهُ لِلأَضْيَافِ مِنَ التُّجَارِ والْخُلاَّنِ، أَوْنَضَعُهُ فِيْ الْمَنْزِلِ لِلأَعْيَادِ وَالضِّيْفَانِ.

فَقُلْتُ وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمَبْلَغٌ كَبِيْرٌ وَأَنْتَ الْيَوْمَ إِلَى الْقَلِيْلِ مِنْهُ فَقِيْرٌ. وَلَوْ كُنْتَ تُحْسِنُ التَّصَرُّف وَالتَّقْدِيْرَ مَا قَعَدْتَ الآنَ عَلَى هَذَا السَّريرِ. وَلَكِنْ.. (قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ).

تَأَمَّلْ يَا صَاحِبِيْ: كَمْ تُنْفِقُ دُوَلُ العَالَمِ عَلَى عِلاجِ الْمَرْضَى بِسَبَبِ الدُّخَانِ - مِنْ أَمْثَالِكَ- فَلَوْ وَفَّرُوا هَذِهِ الأَمْوَالَ، وَأَنْفَقُوْهَا عَلَى التَّعْلِيْمِ وَالتَّطْوِيْرِ  لِلنَّسَاءِ وَالرِّجَالِ، كَمْ كَانُوا يُصْلَحُوْنَ مِنْ كَبِيْرٍ وَيُعَلِّمُوْنَ مِنْ صَغِيْرٍ، وَيُحْدِثُوْنَ مِنْ تَطْوِيْرٍ؟!

تَأَمَّلْ- يَا صَاحِبِيْ -كَمْ يُحْدِثُ الدُّخَانُ مِنْ تَلْوِيْثٍ لِلْهَوَاءِ- هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيْمَةِ الَّتِيْ نَسْتَنْشِقُهَا جَمِيْعَاً عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ- لَقَدْ صَارَ مَشْحُوْنَاً بِهَذَا الْبَلاءِ، وَلَمْ يَعُدْ ضَرَرُ الدُّخَانِ مَقْصُوْرَاً عَلَى الْمُدَخِّنِيْنَ، بَلْ صَارَ يَلْحَقُ  سَائِرَ الأَحْيَاءِ،مِنْ صِغَارٍ وَكِبَارٍ وَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ، ، وَيَحْمِلُ الْمُدَخِّنُوْنَ مَسْؤُوْلِيَّتَهُ بِلا شَكٍ وِلا الْتَوَاءٍ.

وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ بَعْضَ الدُّوَلِ مِمَّنْ تَتَصَدَّرُ إِنْتَاجَ هذا الملعون الدُّخَانِ؛ قَدْ أَصْدَرَتْ تَعْلِيْمَاتٍ صَارِمَةٍ بِمَنْعِ التَّدْخِيْنِ فِيْ الأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَفْتُوْحَةً كَالشَّوَاطِيءِ وَالْحَدَائِقِ وَأَمَاكِنِ التَّرْفِيْهِ، فَضْلاً عَنْ الأَسْوَاقِ وَالدَّوَائِرِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ. وَبَعْضُ الدُّوَلِ قَدْ وَضَعَتْ غُرَفَاً خَاصَّةً لِلْمُدَخِّنِيْنَ أَشْبَهَ بِالزَّنَازِيْنِ مُزَوَّدًةً بمرشحات (فَلاتِرَ) خَاصَّةٍ لِتُخَفِّفَ مِنْ ضَرَرِ التَّدْخِيْنِ، كَمَا سَمِعْتُ أَنَّ الْمُتَضَرِّرِيْنَ مِنَ الدُّخَانِ مِنْ غَيْرِ الْمُدَخِّنِيْنَ، قَدْ أَقَامُوا دَعَاوَى عَلَى شَرِكَاتِ صِنَاعَتِهِ لِدَفْعِ تَعْوِيْضَاتٍ قَدْ تَصِلُ إِلَى ألوف الملايين..

هَذَا وَلا يَزَالُ النَّاسُ عِنْدَنَا وَخَاصَةً الأَغَرَارُ مِنَ الشَّبَابَ  وَالبَنَاتِ يَعْتَبِرُوْنَ التَّدْخِيْنَ رُجُوْلَةً وَيَغْفَلُوْنَ عَنْ أَنَّهُ آفَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الآفَاتِ، وَبَلِيَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْبَلْيَّاتِ.....

قَالَ صَاحِبِيْ مُقَاطِعَاً : وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ وَاحِدَاً مِنْ هَؤُلاءِ، فَلَقَدْ جَرَّنِيْ إِلَى التَّدْخِيْنِ أَحَدُ الأَشْقِيَاءِ، وَخَيَّلَ لِيْ بِأَنَّنِيْ إِذَا دَخَّنْتُ صِرْتُ رَجُلاً ذَا هَيْبَةٍ وَدَهَاءٍ، ، فَصَدَّقْتُهُ وَهَا أَنَا ذَا أُعَانِيْ مِنْ أَكَاذِيْبِهِ كُلَّ بَلاءٍ ،وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَافِيْنِيْ الأَجَلُ وَيَنْزِلَ بِيَ الْقَضَاءُ، فَلا أَنْجُوَ مِنَ هَذَا الدَّاءِ، فَكَيْفَ سَأُواجِهُ ربي رَبَّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟.

فَقُلْتُ لَهُ مُوَاسِيَاً: يَا أَخِيْ لا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ وَتُبْ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ كُلِّ مَنْ عَصَاهُ، طَالَمَا أَنَّهُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ ، هَذَا وَأَرْجُو لَكَ مِنَ اللهِ الْعَافِيَةَ، وِأَنْ لا يِجْعَلَهَا عَلَيْكَ الْقَاضِيَةَ، فَمَا مِنْ دَاءٍ إِلا وَلَهُ بِإِذْنِ اللهِ دَوَاءٌ، وَأَبْسَطُ دَوَاءٍ لٍلدَّخَانِ هَجْرُهُ، فِإِذَا وُفِّقْتَ إِلَى ذَلِكَ جَاءَتْ  بِمَشِيْئَةِ اللهِ الْعَافِيَةَ.

قُلْتُ وَأَنَا أَهُمُّ بِالانْصِرَافِ، إِنِّي سَائِلُكَ سُؤَالاً،مَا تَقُوْلُ فِيْ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ يُحْرِقُ رِيَالاً؟ قَالَ ذَلِكَ مَجْنُوْنٌ وَسَفٍيْهٌ. قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ يُحْرِقُ خَمْسِيْنَ رِيَالاً ؟ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يُحَاسَبَ وَيُعَاقَبَ حَالاً. قُلْتُ أَهُوَ- فِيْ نَظَرِكَ- شَرٌّ أَمْ شَارِبُ الدُّخَانِ ؟ وَمَنْ مِنْهُمَا الأَشَدُّ ضَلالاً؟ بُهِتَ صَاحِبِيْ وَلاذَ بِالصَّمْتِ ثُمَّ قَالَ: آهٍ لَقَدْ فَهِمْتُ الْمَقَالَ.

نَحْنُ  -الْمُدَخِّنٍيْنَ- وَاللهِ شَرٌّ مِمَّنْ أَحْرَقَ النُّقُوْدَ، ذَاكَ اكْتَفََى بِوَصْفً وَاحِدٍ هُوَ أَنَّهُ: أَحْمَقُ، أَوْ سَفِيْهٌ، أَوْمُتَكَبِّرٌ مَغْرُوْرٌ، أَوْ أَنَّهُ مَعْتُوْهٌ  وَعَقْلُهُ مَفْقُوْدٌ، وَنَحْنُ- وَاللهِ- مِثْلَهُ بَلْ نَزِيْدُ، نَعَمْ نَزِيْدُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّنَا نُحْرِقُ الأَبْدَانَ مَعَ النُّقُوْدِ، وَهَذَا وَاللهِ غَيْرُ مَعْهُوْدٍ، فَنَحْنُ  أَوْلَى بِالْعِقَابِ مِنَ الَّذِيْ أَحْرَقَ الْخَمْسِيْنَ  وَمَعَهَا مَا تَشَاءُ مِنَ الْخَمْسِيْنَاتِ، نَحْنُ وَالله ِأشََدُّ جُنُوْنَاً مِنَ الَّذِيْ أَحْرَقَ النُّقُوْدَ.

تُبْتُ إِلَيْكَ يَارَبِّ مِنَ التَّدْخِيْنِ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَلا لَنْ أَعُوْدَ إِلَيْهِ، لا لَنْ أَعُوْدَ.

قُلْتُ: ثَبَّتَكَ اللهُ يَا أَخَا الْكِرَامِ، وَعَلَيْكَ مِنِّيْ مَعَ رَحْمَةِ اللهِ السَّلامُ.

كتبها أبو أنس

أحمد شهاب الدين حيدر

 

تحميل

مشاركة: