سورة آل عمران
خطبة الآية 14
في 13/5/1438
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
إخوة الإيمان: كثير من الناس يسأل من الذي زين للناس حب الشهوات المذكورة والجواب كما يلي فطر الله الإنسان على حب الحياة الدنيا والتعلق بها من أجل أن يقوم برسالته في هذا الكون وهي توحيد الله وعبادته فلكي يعمر هذا الكون ويستمر إلى الأجل الموضوع له عند خالقه ركب في الإنسان حب هذه الشهوات فلولا شهوة الجنس ما تزوج أحد ولما حصلت خلفة من أحد ولولا شهوة حب الأولاد ما تحمل أحد كلفة وعناء تربيتهم والإنفاق عليهم ولولا شهوة حب المال ما سعى أحد في جمعه وتحصيله وسمى الله تعالى هذه المغريات بالشهوات أي المشتهيات المحبوبات فلولاها لما استمر تواجد الإنسان على هذه الأرض طويلا قال تعالى زين للناس حب الشهوات ولما كان هذا التزيين قد يستخدم من الإنسان الاستخدام الخاطيء بنى الله الفعل المخبر عنه لما يسم فاعله حتى لا ينسب الشر نسبة مباشرة إلى الله تعالى وهذا له نظائر قرآنية عديدة لن أطيل عليكم بذكرها
ثم ما هي هذه الشهوات التي زين الله حبها للإنسان؟ ونجد أولها حب النساء ثم البنين ثم المال ثم الخيل المسومة ثم الأنعام ثم الحرث وهذه الشهوات هي أعظم ما يفتن الناس ويؤثر في مجريات حياتهم فيعدلها ويصلحها أو يدمرها.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، عليه السلام، قال مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء". فأما إذا كان القصد من حبهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، وفي الحديث "وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً" وقوله، عليه السلام الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْه، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ" وقوله في الحديث الآخر: "حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ" وقالت عائشة، رضي الله عنها: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل، وفي رواية: من الخيل إلا النساء .
وأما حب البنين فتارة يكون للتفاخر والتكاثر والزينة فهو مذموم مكروه، وتارة يكون لتكثير النسل الصالح، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ"
وأما حب المال -فكذلك-تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم ممنوع، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود عليه شرعًا وعرفا.
وحاصل معنى القنطار الوارد في الآية أنه المال الجزيل الكثير ابتداء من ألف دينار فصاعدا
وأما حب ارتباط الخيل فعلى ثلاثة أقسام، تارة يربطُها أصحابُها في سبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزَوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا وخيلاء ومباهاة فهذا مذموم مكروه وتارة تربط من أهل النفاق ضد الإسلام ، فهذه على صاحبها وزْر. وتارة ترتبط للتعفف وبيع نسلها. فهي لصاحبها ستْر فهذا مباح لا بأس به، وأما { الْمُسَوَّمَةِ } فعن ابن عباس وجماعة: هي المسومة بمعنى الراعية، والمُطَهَّمة الحسَان، وقال مكحول:
المسومة: هي ذات الغُرَّة والتحجيل. وقيل غير ذلك.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر، رضي الله عنه،بإسناد صححه الذهبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِي إلا يُؤذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْر يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَني مِن بَنِي آدَم، فاجْعَلنِي مِنْ أحَبِّ مَالِهِ وأهْلِهِ إليه، أوْ أحَب أهْلِه ومالِهِ إليهِ"
وقوله:{ وَالأنْعَامِ } يعني: الإبل والبقر والغنم { وَالْحَرْث } يعني: الأرض المتخذة للغِرَاس والزراعة.وروى أحمد عن سُويد بن هُبَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ مَالٍ امرؤ لَهُ مُهْرة مَأمُورة، أو سِكَّة مَأبُورة" وفسرت المأمورة بالكثيرة النسل، والسّكَّة: معنها النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: إنما هذه المذكورات زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة { وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } أي: حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عُمَر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لما أنزلت: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ } قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ...} .
ومعنى:{ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } أي: قل يا محمد للناس هل أخبركم بعن ما هو خير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أنبأنا بذلك، فقال: { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي:للذين اتقوا ربهم في تعاملهم مع هذه المحبوبات لهم جنات تخترق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، فيها من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
{ خَالِدِينَ فِيهَا } أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حِوَلا ولا يبلى نعيمها
{ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } أي: من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا.
{ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ } أي: يُحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } [ التوبة : 72 أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم،ثم قال تعالى (1) { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } أي: يعطي كلا واحد بحسب ما يستحقه من العطاء.
{ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ (17) }
ثم وصف الله تعالى عباده المتقين الذين وعدهم بالثواب الجزيل، بأنهم { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا } أي: بك وبكتابك وبرسولك { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي بإيماننا بك وعملنا بما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا بفضلك ورحمتك { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
ثم قال: { الصَّابِرِين } أي: على قيامهم بالطاعات ووالصابرين تركهم المحرمات { وَالصَّادِقِينَ } فيما أخبروا به من إيمانهم وبما يلتزمونه من الأعمال والعهود { وَالقَانِتِينَ } والقنوت: الطاعة والخضوع { والْمُنفِقِينَ } أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ } دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.وثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن، من غير وجه، عن جماعة من الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سمَِاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر فيقولُ: هَلْ مِنْ سَائل فأعْطِيَه؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ ؟" وهذا الحديث يؤخذ كما هو ويفهم على ظاهره مع الإيمان بصفة النزول لله تعالى على الوجه اللآئق من غير تكيف أو تشبيه أو سعي لإدراك الكنه والحقيقة أي من دون تنقير طالما ثبتت صحة الحديث فالتسليم واجب ولا يقولن قائل كيف ذلك؟ فما أوتيتم من العلم إلا قليلا .
فاستغلال الأوقات الفاضلة بالطاعات شأن طلاب الآخرة اللهم اجعلنا جميعا منهم ولا تفتنا بالدنيا واجعلها في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا وسخرها لنا وتسخرنا لها صلوا وسلموا على البشير النذير