خطبة عن استقبال عام 1437
إخوة الإيمان : ودعنا عاما واستقبلنا عاما في أسبوعنا المنصرم وقد جعل الله الأيام والأسابيع والشهور والسنون بمثابة مظاريف وسجلات وملفات تودع فيها أعمال العباد خيرها وشرها وكل واحد منا قد أغلق سجلا عظيما من هذه السجلات يمثل عاما كاملا حافلا بالأعمال على اختلافها...
إن عقيدتنا نحن المسلمين أنه لا شيء يضيع ولا شيء ينسى ولا شيء يفقد ولا شيء يهمل فلطالما قرأنا قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره أي سوف يراه يوم الحساب وهذا يعني أن الأعمال والأقوال لا بد مكتوبة مصورة أو مسجلة وموثقة توثيقا عالي الشفافية والدقة قال تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وقال تعالى وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون وقال تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
إخوة الإيمان: إن إيمان المسلم بهذا يجب أن يكون إيمانا لا يخالطه أدنى شك ولذلك فإن عليه أن يكون دائم المراقبة لنفسه والمحاسبة لها يتقي ربه في السر والعلن ويعد العدة لما هو مقبل عليه من الحساب والمجازاة قال تعالى: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور....وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا تقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هو الفاسقون فقولـه تعالى: { يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ} هذا أمر من الله بتقواه وهذا يشمل فعل كل ما أمر به وترك كل ما زجر عنه وقولـه تعالى: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۖ} أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم {وَٱتَّقُواٱللَّهَۚ} تأكيد ثان للأمر بالتقوى لبيان أهميتها {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي اعلموا أنه تعالى عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا يخفى عليه منكم خافية ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير قال صاحب اللسان الـخَبِـيرُ: من أَسماء الله عزّوجلْ العالـم بما كان وما يكون. وخَبُرْتُ بالأَمر أَي علـمته. وخَبَرْتُ الأَمرَ أَخْبُرُهُ إِذا عرفته علـى حقـيقته. و قال عمر رضي الله تعالى عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا. ومن جملة المحاسبة التوبة لأنه عند المحاسبة يتكشف لك الربح من الخسران فتلزم التوبة عند الخسران كما أنها تستحب على الدوام وقال تعالى: {وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَميعاً أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والتوبة هي النظر في الأعمال بعد الفراغ منها بعين الناقد البصير فإن كان العمل على غير الصواب المشروع فالتوبة منه بإصلاح الخلل الذي نتج عنه فإن كان في أمر بينك وبين مخلوق مثلك فبرد الحق إلى أهله أو طلب المسامحة ثم الندم عليه والعزم على عدم الرجوع إليه وإن كان الذنب بينك وبين الله وحده فتصلح ما بينك وبينه بترك الذنب أولا والندم عليه ثانيا والعزم على عدم العودة إليه. وإن كانت أمورك عند المحاسبة على الصواب والخير فتحمد الله على ما أولاك وتشكره تسأله أن يثبتك على ذلك، وقد وعد الله من تاب وأناب بالمغفرة فقال عز من قائل وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقال نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم «إنِّي لأَسْتَغْفِرَ اللَّه تَعَالَى وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي اليَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ»، قال أحد الصالحين لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه. وقد حذر الله من إهمال المحاسبة وسماه فسقا فقال: {وَلا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَـﯩـٰهُمْ أَنفُسَهُمْۚ أولئك هم الفاسقون} أي لا تهملوا التقوى والمحاسبة فينسيكم الله أنفسكم ويصرفكم عن العمل لمصالحها وما ينفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل،نسوا الله فنسيهم، ولـهذا قال تعالى: {أُولَـٰۤﯩـِٕكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي الخارجون عن طاعة اللـه الخاسرون يوم القيامة يوم المعاد والحساب، وقد حذر من هذا أتم التحذير فقال:{يَـٰۤأَيـُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلا أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰۤﯩـِٕكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} وقد كان السلف الصالح يهتمون بأمر المحاسبة وتوعية الناس فيها وحثهم عليها فقد أخرج أبو القاسم الطبراني بالسند قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله عز وجل فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوماً جعلوا آجالهم- أي أعمارهم- لغيرهم فنهاكم الله عز وجل أن تكونوا أمثالهم {وَلا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَـﯩـٰهُمْ أَنفُسَهُمْۚ} أين من تعرفون من إخوانكم ؟ قدموا على ما قدموا وخلوا بالشقوة أو السعادة، أين الجبارون الأولون الذي بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ؟ قد صاروا تحت الصخر والتراب، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًاۖ وَكَانُوا لَنَا خَـٰشِعِينَ} لا خير في قول لا يراد به وجه الله ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. هذا إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر والله أعلم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون
إخوة الإيمان: كما أطل علينا من قريب عام هجري جديد نسأل الله أن يعطينا وجميع المسلمين خير ما فيه ويكفينا شر ما فيه وأن يجعله على المسلمين خاصة وعلى أهل الأرض عامة عام خير وأمن وسلام وإسلام وإحقاق الحق وإيصاله لأهله وقمع الباطل ورد أهله عن الظلم والتجبر، وأن يجعله عام بركة ونصر وألفة ومحبة ووحدة كلمة لجميع المسلمين وأن يجعله عاما نصير فيه أقرب إلى الله تعالى بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه أفرادا وجماعات رجال ونساء ولاة أمر وشعوبا.يحب بعضنا بعضا ويعطف بعضنا على بعض ويتمنى كل مسلم الهداية لكل أهل الأرض فما أجمل أن تصير هذه الأرض واحة أمان يعرف كل واحد واجبه فيقوم به بدون مطالبة ويصل إليه حقه من دون مطالبة.
إخوة الإيمان: واعلموا أن هذا العام كغيره سيكون عليكم شهيدا يوم القيامة فما من شيء يحدث على هذه الأرض إلا وهي مخبرة به ومتحدثة عنه يوم القيامة أخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه الآية: {يَوْمَـﯩـِٕذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: «أتدرون ما أخبارها ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» ثم قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب، فالأرض التي نعيش عليها ثم نستودع في بطنها ستكون شاهدة على أعمالنا وستكون شاهدا لنا أو علينا يوم القيامة فاحرصوا على السلامة من البداية فالعام في أوله وهذه هي الصفحة الثالثة من صفحاته الثلاثمئة والأربع والخمسين كل واحدة منها أربع وعشرون حصة كل حصة منها مدتها ستون دقيقة يُعمل فيها خير كثير لمن أراد الخير، كما يعمل فيها شر كثير لمن أراد ذلك. ثم إن في كل دقيقة ستون ثانية ويمكن أن تقول في كل ثانية سبحان الله أو الحمد لله كما يمكنك أن تعطلها وتتركها فارغة فتخسرها وتضيع عليك ويضيع عمرك معها كما يمكن أن تفعل في الساعة أعمالا نافعة كثيرة من أعمال هذه الدنيا يكتب الله لك الأجر فيها إن نويت بها طاعة الله ونفع المسلمين وإن لم تنو كانت مثل الأوقات الخالية من العمل الصالح، كما أن لدى العبد إمكانية أن يفعل من الشر والإجرام في الدقيقة ما يفوق العد والحصر وخاصة في هذا الزمن زمن الأسلحة الفتاكة والتواصل السريع وزمن قلة الدين وندرة الإنسانية والرحمة وخير مثال على ذلك ما يفعل اليهود في أهل فلسطين وما يفعله طاغية الشام ومعه الروس والمجوس قطع الله دابرهم جميعا على أرض سوريا بكامل شعبها وترابها وشجرها حجرها حين يلقى عليهم البراميل المتفجرة والقنابل الفراغية والعنقودية ويحصد من الأرواح من لم يُجَوِّزْ قتله أحد من بني البشر من الرضع والشيوخ والنساء والمسالمين ممن لم يقاتل ولم يحمل سلاحا لم يفعل هذا في التاريخ إلا اليهود والمجوس الجدد وأعني الصفويين عليهم من الله ما يستحقون فكم يجر هذا الخائب الخاسر بشار بن الخاسر الهالك حافظ وقرينهم النتن ياهو ومن معه متجبري اليهود وأئمة الشر والشرك من المجوس الصفويين كم يجرون على أنفسهم من الإثم والذنب والعار في الثانية الواحدة فضلا عن الدقيقة والساعة اللهم اكف أمة الإسلام جميعا شرهم وشر كل جبار عنيد وشيطان مريد بما شئت وكيف شئت اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعيذ بك أهل الإسلام في اليمن والشام والعراق وسائر بلاد أهل الإيمان والتوحيد من شرورهم وشر ضلالهم وكفرهم وبدعهم اللهم عجل بهم جميعا إلى البوار والخسران والهلاك