العشر الأخير من رمضان خطبة جمعة
إخوة الإيمان:
نحن الآن في آخر أيام العشر الأوسط وغدا أول يوم من العشر الأخير من رمضان لقد جاء رمضان وبدأ يحزم أوراقه وحقائبه فقد جهز لنا حقيبتين تمثلان العَشر الأول والعشر الأوسط وبقيت حقيبة عَشر واحد هو العشر الأخير، ولا ندري أيكتمل أم يكون ناقصا، ولكنه هو عشر تغليبا، وأيام هذا العشر المتبقي هي أفضل أيام الشهر بلا منازعة وذلك لأمور: منها احتوائها على ليلة القدر التي قال الله فيها إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر والتي قال فيها صلى الله عليه وسلم التمسوها في العشر الأواخر من رمضان فمن فاته العشران وقيامهما واغتنامهما وملؤهما بالعمل الصالح والقول الصالح فلا يفوتنه هذا العشر فمن يُفوِّته على نفسه فهو إنسان جاهل بدينه أومستغن عن ربه ومستغن عما ينفعه في آخرته التي هو قادم عليها لا محالة، وحريص ومهتم بما لا ينفعه على الحقيقة لأن منافع الدنيا لا خير فيها إن لم تسخر لخدمة الآخرة ومنافعها.
إخوة الإيمان : ولقد كان نبيكم صلوات ربي وسلامه عليه كثير العبادة في رمضان فإذا جاء العشر الأخير ضاعف من عمله وجده ونشاطه فيه فقد أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ، إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر.فقوله أحيا الليل يعني كله،لأنه اسم جنس معرف بأل، وقوله: أيقظ أهله وذلك حتى يشاركوه في هذه الطاعة العظيمة،والفرصة الذهبية النادرة، وأما قوله جد من الجد وهو ضد الهزل فهو يعني الحزم وعدم التراخي وأما شد المئزر فهو كناية عن اجتناب المعاشرة الزوجية من أجل التفرغ التام للعبادة. ويؤيد هذا ما روى مسلم عن عائشة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
كما يؤكد ذلك ما روى عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَان. قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللّهِ، مِنَ الْمَسْجِدِ.
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. حَتَّى تَوَفَّاهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وعنها رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلَّى الْفَجْرَ. ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ.
والاعتكاف: معناه لزوم مكان معين في مسجد تقام فيه الجماعة لطاعة الله تعالى والخلوة فيه عن الناس حتى تنقطع العلائق بالخلق ويخلص الوقت كله للرب، مناجاة وذكرا وتسبيحا واستغفارا وقراءة قرآن أو لقراءة ما يتعلق به من العلوم، فرؤية الناس تشغل ومخالطتهم تشوش تلك العلاقة وتفسد على القلب خلوته بربه ومن أجل هذا كان الاعتكاف.
كما أن الغاية من الاعتكاف تحري ليلة القدر فهي في العشر الأخير قطعا لقول النبي تحروها في العشر الأواخر قال ابن قدامة في الكافي: ويستحب تحري ليلة القدر، لقول الله تعالى {ليلة القدر خير من ألف شهر} ، وهي في رمضان، لأن الله تعالى أخبر أَنه أنزل القرآن فيها ، وأنه أنزله في شهر رمضان، فيدل على أنها في رمضان. وأرجاه الوتر من ليالي العشر الأواخر، لقول رسول الله «من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» وفي لفظ «فاطلبوها في العشر الأواخر في الوتر منها» متفق عليه. وقال أبي بن كعب : إنها ليلة سبع وعشرين، أخبرنا رسول الله أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع. فعددنا وحفظنا. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم إلى قوله «شعاع» فهذا أصح علاماتها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، من «المسند» وروى أبو سعيد عن رسول الله أنه قال: «قد أريت هذه الليلة ثم أُنسيتها وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين» قال أبو سعيد: فأمطرت تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله ، انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. متفق عليه. فينبغي أن يجتهد في ليالي الوتر في العشر كله، ويكثر من الدعاء لعله يوافقها، ويدعو بما روي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
وسر تسمية هذه الليلة بليلة القدر لأن معنى القدر الشرف والرفعة أو من القدر بمعنى التقدير وهو أنه يتم فيها كتابة مقادير العام من الأعمار والأرزاق والآجال والأحداث نقلا عن اللوح المحفوظ ودليل ذلك قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم..
إخوة الإيمان:ثانيا ومن فضائل هذا العشر أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل صيام رمضان إيمانا واحتسابا مكفرا لما مضى من الذنوب وجعل قيام رمضان إيمانا واحتسابا مكفرا لما مضى من الذنوب وجعل قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا مكفرا لما مضى من الذنوب
روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» وقوله: «فتلاحى فلان وفلان فرفعت» فيه استئناس لما يقال إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» وقوله «فرفعت» أي رفع علم تعيينها لكم لا أنها رفعت بالكلية من الوجود كما يقوله بعض الجهلة من المنتسبين للإسلام لأنه قد قال بعد هذا: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».
وقوله: «وعسى أن يكون خيراً لكم» يعني عدم تعيينها لكم فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها فإن الهمم كانت تقتصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة. ولهما عن ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر أخرجاه، ولمسلم عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره .قال الألوسي في تفسيره: ويجتهد فيها بأنواع العبادات من صلاة وغيرها وقال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب من الصلاة ثم أفاد أنه إذا قرأ أو دعا كان حسناً وكان صلى اللـه عليه وسلّم يجتهد في ليالي شهر رمضان ويقرأ فيها قراءة مرتلة لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا تعوذ وذكر ابن رجب أن الأكمل الجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك كلـه لا سيما في العشر الأواخر ويحصل قيامها على ما قال البعض بصلاة التراويح وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر وأخرج مالك وابن أبـي شيبة وابن زنجويه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها وفي تحفة المحتاج لابن حجر الـهيتمي عليه الرحمة يسن لرائيها كتمها ولا ينال فضلـها أي كمالـه إلا من أطلعه اللـه تعالى عليها انتهى والظاهر أنه عنى برؤيتها رؤية ما يحصل به العلم لـه بها مما خصت به
وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله تعالى فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين رواه أبو داود وقيل لابنه كيف كان أبوك يصنع ؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج منه إلا لحاجة حتى يصلي الصبح فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها ولحق بباديته (ذكره صاحب موارد الظمآن جزء1 صفحة 360)