خطبة توديع العام الهجري1434
إخوة الإيمان : الأيام والأسابيع والشهور والسنون هي مظاريف وسجلات تودع فيها أعمال العباد خيرها وشرها ونحن على وشك أن نغلق سجلا عظيما من هذه السجلات بما يمثل عاما كاملا حافلا بالأعمال على اختلافها فعقيدتنا نحن المسلمين أن لا شيء يضيع ولا شيء ينسى ولا شيء يفقد ولا شيء يهمل فلطالما قرأنا قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأصل يره يراه وإنما حذفت الألف للجزم وحتى يرى لا بد من أن يكون موجودا مكتوبا مصورا مسجلا موثقا قال تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وقال تعالى وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون وقال تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد إخوة الإيمان: إن إيمان المسلم بهذا إيمان لا يخالطه أدنى شك ولذلك فإن المسلم دائم المراقبة لنفسه والمحاسبة لها يتقي ربه في السر والعلن ويعد العدة لما هو مقبل عليه يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور....وقال تعالى يا ايها الذين آمنوا تقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وااتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هو الفاسقون قال ابن كثير عند تفسير الآية وروى الإمام أحمد بالسند عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلـهم من مضر، فتغير وجه رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام الصلاة فصلى ثم خطب فقال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية وقرأ الآية التي في الحشر {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۖ} تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت،ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فلـه أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» فقولـه تعالى: { يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ} هذا أمر من الله بتقواه وهذا يشمل فعل كل ما أمر به وترك كل ما زجر عنه وقولـه تعالى: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۖ} أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم {وَٱتَّقُواٱللَّهَۚ} تأكيد ثان للأمر بالتقوى لبيان أهميتها {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي اعلموا أنه تعالى عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا يخفى عليه منكم خافية ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير قال صاحب اللسان الـخَبِـيرُ: من أَسماء الله عزّوجلْ العالـم بما كان وما يكون. وخَبُرْتُ بالأَمر أَي علـمته. وخَبَرْتُ الأَمرَ أَخْبُرُهُ إِذا عرفته علـى حقـيقته. و قال عمر رضي الله تعالى عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا. ومن جملة المحاسبة التوبة لأنه عند المحاسبة يتكشف لك الربح من الخسران فتلزم التوبة عند الخسران كما انها تستحب على الدوام وقال تعالى: {وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَميعاً أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} والتوبة هي النظر في الأعمال بعد الفراغ منها بعين البصيرة فإن كان العمل على غير الصواب المشروع فالتوبة منه بإصلاح الخلل الذي نتج عنه فإن كان في أمر بينك وبين مخلوق مثلك فبرد الحق إلى أهله أو طلب السماح ثم الندم عليه والعزم على عدم الرجوع إليه وإن كان الذنب بينك وبين الله وحده فتصلح ما بينك وبينه بترك الذنب أولا والندم عليه ثانيا والعزم على عدم العودة إليه.وإن كانت أمورك عند المحاسبة على الصواب والخير فتحمد الله على ما أولاك وتشكره تسأله أن يثبتك على ذلك، وقد وعد الله من تاب وأناب بالمغفرة فقال عز من قائل وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقال نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم «إنِّي لأَسْتَغْفِرَ اللَّه تَعَالَى وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي اليَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ»، قال أحد الصالحين لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه. وقد حذر الله من إهمال المحاسبة وسماه فسقا فقال: {وَلا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَـﯩـٰهُمْ أَنفُسَهُمْۚ أولئك هم الفاسقون} أي لا تهملوا التقوى والمحاسبة فينسيكم الله أنفسكم ويصرفكم عن العمل لمصالحها وما ينفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل،نسوا الله فنسيهم، ولـهذا قال تعالى: {أُولَـٰۤﯩـِٕكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي الخارجون عن طاعة اللـه الخاسرون يوم القيامة يوم المعاد والحساب، وقد حذر من هذا أتم التحذير فقال:{يَـٰۤأَيـُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلا أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰۤﯩـِٕكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} وقد كان السلف الصالح يهتمون بأمر المحاسبة وتوعية الناس فيها وحثهم عليها فقد أخرج أبو القاسم الطبراني بالسند قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله عز وجل فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوماً جعلوا آجالهم- أي أعمارهم- لغيرهم فنهاكم الله عز وجل أن تكونوا أمثالهم {وَلا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَـﯩـٰهُمْ أَنفُسَهُمْۚ} أين من تعرفون من إخوانكم ؟ قدموا على ما قدموا وخلوا بالشقوة أو السعادة، أين الجبارون الأولون الذي بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ؟ قد صاروا تحت الصخر والتراب، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًاۖ وَكَانُوا لَنَا خَـٰشِعِينَ} لا خير في قول لا يراد به وجه الله ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. هذا إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر والله أعلم.
ولمزيد من التبصير بهذا الأمر الخطير قال تعالى: {لا يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِۚ} أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة،} كما قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلا ٱلْمُسِىۤءُۚ قَلِيـلا مَّا تَتَذَكَّرُونَ} وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} ثم قال تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } أي أهل المحاسبة في الدنيا {هُمُ ٱلْفَآﯨـِٕزُونَ} أي الناجون المسلمون من عذاب الله عز وجل.ويفهم منها أن غيرهم ليسوا كذلك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب بار الله لي ولكم في القرآن....
نقل عن الحسن البصري ما معناه : المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، ويشق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. ثم فسر المحاسبة فقال: إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات حيل بـيني وبـينك وهذا حساب قبل العمل، ثم قال ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردت بهذا؟ والله لا أعذر بهذا والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله وقال أنس بن مالك: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوماً وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول ـ وبـيني وبـينه جدار ـ وهو في الحائط؛ عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله أو ليعذبنك. كما فسر الحسن قوله تعالى: {وَلاَ أُقْسِمُ بالنّفْسِ اللوَّامَةِ} قال: لا يلفى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: رحم الله عبداً قال لنفسه؛ ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً، وهذا من معاتبة النفس. وقال ميمون بن مهران: التقي أشدّ محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح. وقال مالك بن دينار: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول: رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فنظر ماذا يريد به، رحم الله امرأ نظر في مكياله، رحم الله امرأ نظر في ميزانه، فما زال يقول حتى أبكاني. وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل، الدعاء، وكان يجيء إلى المصباح فيضع أصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟يحاسب نفسه ويعاتبها ويوبخها فبهذا نالوا ما نالوا من الكرامة والنصر والتمكين ولا يصلح حالنا إلا بالسير على منهاجهم والتأسي بهم وأما ما نحن فيه أو أكثرنا فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع فمفتاح صلاح الحال هو نفس المفتاح الذي أصلح الله به حال صدر هذه الأمة وهو موجود بيننا كما كان تماما كتاب الله وسنة رسوله لن نفلح إلا بهما فدعوا يا عباد الله كل ما سواهما وفيؤا إليهما من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون.