خطبة الجمعة
بين يدي رمضان 1
1439
إن الحمد لله ..
إخوة الإيمان: موسم الخير أقبل فبادروه قبل أن يدبر فكل ساعة منه تنقضي لا تعود أبدا فاصنع فيها من الخير ما تبعد به عن نفسك الندامة غدا ، إذا عرضت على ربك فلا تندم عليها إلا ندما من نوع أنك لم تستزد من الخير الذي عملته
إخوة الإيمان جاء في الحديث إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النيران وصفدت الشياطين ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر أي يا طالب الخير هذا أوانك فاطلب واستزد وتزود تزود من الدنيا فإنك راحل... ويا باغي الشر أقصر بمعنى اكفف عن شرَّك فليس هذا أوان للشر بل هذا زمن شريف مبارك الحسنة فيه مضاعفة والسيئة فيه أقبح وأعظم من السيئة في غيره فاترك السيئات كلها أو قلل منها ما استطعت فإن لم ترد فعل الخير فقلل من الشر حتى تقلل من ندمك وحسرتك وعذابك في الآخرة إن كنت ممن يستحق العذاب. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله .....
يقول ابن رجب في كتابه القيم لطائف المعارف ما معناه : واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرمين والمسجد الأقصى فك الله أسره وفرج عن كل ما حوله ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وفي رواية: "فإنه أفضل" وكذلك روي: "أن الصيام يضاعف بالحرم" ومنها: شرف الزمان كشهر رمضان وعشر ذي الحجة وجاء في حديث عن سلمان الفارسي: "من تطوع فيه – يعني رمضان- بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" وفي الترمذي عن أنس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان" وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عمرة في رمضان تعدل بحجة" أو قال: "حجة معي".
وورد في حديث آخر: "أن عمل الصائم مضاعف" وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة وركعة فيه أفضل من ألف ركعة فلما كان الصيام في نفسه مضاعفا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال كان صيام شهر رمضان مضاعفا على سائر الصيام لشرف زمانه وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها وقد يضاعف الثواب بأسباب أخر منها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه كما تضاعف أجور هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم حيث أعطوا كفلين من الأجر.
ويقول ابن رجب أيضا : لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله لإيمانه باطلاع الله وثوابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة إيثارا لرضا ربه على هوى نفسه بل المؤمن يكره ذلك – يعني مصية الله ومخالفة أمره - في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب ولهذا فإن من المؤمنين ما لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه لكراهة الله لفطره في هذا الشهر وهذا من علامات الإيمان أن يَكْرَهَ المؤمن ما يلائمه من الشهوات إذا علم أن الله يكره ذلك فتصير لذته فيما يرضى مولاه وإن كان مخالفا لهواه، ويكون ألمه حاضرا عند كل ما يكره مولاه وإن كان ذلك الشيء موافقا لهواه. وإذا كان هذا فيما حرم لعارض الصوم من الطعام والشراب ومباشرة النساء فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حرم على سبيل الإطلاق والدوام وكل زمان، كالزنا وشرب الخمر وأكل المال أو الاعتداء على الأعراض وسفك الدماء المحرمة فإن هذا يسخطه الله على كل حال وفي كل زمان ومكان فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كله كرها شديدا وكره أهل تلك الأفعال ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يكره المؤمن أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار.
وقال يوسف عليه السلام: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فالسجن المكروه عادة صار محبوبا بجانب فعل الفاحشة التي دعي إليها وهيئت له.
سئل أحد الصالحين متى أكون محبا ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه ربك أمَرُّ عندك من الصبر وقال غيره: ليس من علامات المحبة أن تحب ما يكرهه حبيبك بل هو والله من علامات البغض، وكثير من الناس يتبع العوائد دون ما يوجبه الإيمان ويقتضيه فمن الجهال من لا يفطر حتى لعذر وضرورة مع أن الله يحب منه أن يفطر ويقبل رخصته وذلك منه جري على العادة والتقاليد وقد يكون ممن اعتاد ما حرم الله من الزنا وشرب الخمر وأخذ الأموال والأعراض أو الدماء بغير حق فهذا يجري على عوائده في ذلك كله لا على مقتضى الإيمان ومن عمل بمقتضى الإيمان صارت لذته في مصابرة نفسه عما تميل نفسه إليه إذا كان فيه سخط الله وربما يرتقي إلى أن يكره جميع ما يكره الله منه وينفر منه نفرة عظيمة وإن كان ملائما للنفوس كما قيل:
إن كان رضاه في سهري
فسلام وداع يا وسني